الميرزا فتاح الشهيدي التبريزي

151

هداية الطالب إلى اسرار المكاسب ( دارالكتاب )

ملاحظة عنوان البحث أعني عوضيّة ما لا يقبل النّقل من أقسام الحقوق وإن شئت فقل إنّه قطع النّظر عن العنوان لأجل الإشارة إلى أمر دقيق ومن التّأمّل فيما ذكرنا يعلم فساد الإيراد على العبارة بأنّ هذا الكلام مختلّ النّظام أمّا أوّلا فبأنّه في مقام بيان عدم صحّة جعل الحقّ الغير القابل للنّقل عوضا وفساده فلا يناسب التّعليل بقوله لأنّ البيع تمليك الغير لأنّه لا يدلّ على لزوم النّقل من طرف الثّمن الّذي هو محلّ البحث وأمّا ثانيا فلأنّه لا يناسب النّقض ببيع الدّين على من هو عليه لاختصاص مورده بالمعوّض وأمّا ثالثا فلأنّه منقوض بجعل الحقّ عوضا عن مال غير من عليه الحقّ إذ ليس فيه اتّحاد المسلّط والمسلّط عليه وجه الفساد أمّا في الأوّل فلأنّ مراده تمليك الغير على وجه المبادلة لاختياره تعريف المصباح في اعتبار المبادلة ولا يحصل ذلك إلّا بالنّقل من الطّرفين على ما مرّ تفصيله وإنّما لم يكتف بمجرّد ما مرّ نقله عن المصباح وأتى بتلك العبارة الّتي تراها إمّا للتّفنّن وإمّا نظرا إلى عدم إفادته للنّقل والتّمليك لكون المبادلة أعمّ من النّقل وأمّا في الثّاني فلأنّ الغرض النّقض بنحو الأولويّة حيث إنّ كل من اكتفى بالإسقاط في طرف المعوّض فقد اكتفى به في طرف العوض بطريق أولى وأمّا في الثّالث فلما مرّ من اختصاص محلّ الكلام بجعل الحقّ عوضا عن مبيع من عليه الحقّ على وجه الإسقاط فالنّقض بما ذكر أجنبيّ عن محلّ النّزاع قد نشأ عن توهّم عمومه للصّورة المذكورة وغيرها هذا تمام الكلام في القسمين الأوّلين من أقسام الحقوق وأمّا القسم الثّالث وهو ما كان قابلا للمقابلة بالمال من جهة قابليّته للنّقل والإسقاط معا فمجمل القول فيه إنّه إمّا أن يجعل عوضا عن المبيع على وجه الإسقاط فحاله حال القسم الثّاني وأمّا على وجه النّقل وهو المقصود بالبحث هنا ولعلّ منشأ إشكال المصنف قدِّس سرُّه فيه هو الإشكال في المراد من المال المأخوذ في تعريف البيع في عوضيه فإن كان المراد ما يصحّ أن يكون طرفا للإضافة والسّلطنة ومتعلّقا لهما فلا يصحّ عوضيّة الحقّ المذكور لأنّ الحقّ إمّا مرتبة ضعيفة من الملكيّة أو عبارة عن نفس السّلطنة وعلى كلّ تقدير يكون هو من قبيل نفس الإضافات لا من أطرافها ومن هنا يظهر وجه آخر لعدم صحّة العوضيّة في البيع فيما تقدّم من أقسام الحقّ وإن كان المراد منه مطلق ما يرغب فيه العقلاء ويبذلون شيئا بإزائه ولو كان من قبيل الإضافة والسّلطنة فيصحّ عوضيّته ومن هذا البيان يظهر فساد توهّم الإيراد على المصنّف قدِّس سرُّه بأنّه بعد تسليم مقابلة هذا النّحو من الحقّ بالمال كيف يمكن أن يكون أخذ المال في عوضي البيع وجها لعدم الجواز فتأمّل فعلم من جميع ما ذكرنا أنّ المصنّف يمنع من عوضيّة الحقّ بجميع أقسامه أمّا الأوّلان فواضح وأمّا الأخير فلأنّه مع الشّك في صحّة عوضيّته يرجع إلى الأصل المقتضي لعدم الصّحة هذا ولا يخفى عليك أنّ ما ذكرنا في هذه الحاشية أنّما هو مبنيّ على مذاق القوم القائلين بانقسام الحقوق من حيث القابليّة للإسقاط والنّقل إلى ثلاثة أقسام ومنهم المصنّف وأمّا بناء على المختار من كون الحقوق كلّها من قبيل الأحكام أمّا الوضعيّة كما في بعض الموارد أو التّكليفيّة كما في بعض الآخر على ما تقدّم تفصيله في مسألة كفّارة الغيبة من المكاسب المحرّمة فلا إشكال في عدم صحّة عوضيّة الحقّ في البيع مطلقا وإن شئت بصيرة في المقام فراجع هناك ولاحظ وتأمّل قوله قدِّس سرُّه ولذا جعل الشّهيد في قواعده الإبراء إلى آخره أقول ذكره في ذيل قاعدة عنوانها هذا قد تردّد الشّيء بين أصلين يختلف الحكم فيه بحسب دليل الأصلين منه الإقالة إلى أن قال ومن المتردّد بين الأصلين الإبراء هل هو إسقاط أو تمليك أقول لعلّ نظره ره في وجه التّرديد إلى أنّ الدّين لأحد على آخر له ربط إلى الدّائن وربط إلى المديون فالدّين مثل جبل أحد طرفيه بيد المالك وطرفه الآخر على ذمّة المديون والإبراء عبارة عن قطع الرّبط وإخلاء الذّمّة عن الدّين وهو كما يتحقّق بقطع ربطه بالمديون ورفع كونه عليه وإزالته عنه كذلك يتحقّق بقطع ربطه بالدّائن ورفع يده عن ملكه وجعله للمديون فهو بلحاظ قطع الرّبط بالطّور الأوّل إسقاط له عن ذمّة المديون ويلزمه زوال ملكه عنه ضرورة عدم ملك الكلّي بدون الذّمّة وبلحاظ قطعه بالطّور الثّاني تمليك له للمديون ويلزمه السّقوط عن الذّمّة وخلوّها عنه وحيث لم يعلم أنّ حقيقة الإبراء إخلاء الذّمّة عن الدّين بالنّحو الأوّل أو الثّاني جعل قدِّس سرُّه أمره بحسب الوضع اللّغوي مردّدا بينهما ويظهر الثّمرة في برء النّذر به وعدمه لو نذر تمليك مال لشخص ومن البيان المذكور ظهر أنّ حكم السّيّد العلّامة الأستاد قدِّس سرُّه بفساد احتمال التّمليك ليس بذلك الوضوح والإنصاف أنّ الحقّ ما ذكره قدِّس سرُّه لأنّ الإبراء من البرء والبراءة والظّاهر أنّ معناه الحقيقي هو الانصراف والمفارقة عن الشّيء فقد يكون في مقابل الشّيء المنصرف عنه شيء آخر فيلزم الانصراف منه التّوجّه إلى الشّيء المقابل له ومنه قوله ع في زيارة العاشوراء برئت إلى اللَّه وإليكم منهم فإنّهم لعنهم اللَّه مقابلون للَّه تعالى ومحمّد وآل محمّد عليهم الصّلاة والسّلام فالبراءة والانصراف منهم لعنهم اللَّه يلازمه التّوجّه إليه تعالى وإليهم ص ومنه قوله تعالى بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الآية حيث إنّ من في من اللَّه قد دخلت على فاعل البراءة ومن يوجدها ويصدر عنه وأمّا المفعول المجرور بمن فمحذوف وهو الأمان والصّبر عن المحاربة وتركها فيكون المعنى براءة وانصراف قد وجدت وصدرت من اللَّه ورسوله من النّهي عن محاربة المشركين وقتلهم إلى الإذن فيها وقد لا يكون في مقابلة شيء وجودي كما في البراءة من الدّين والبرء عن المرض فيكون خاليا عن معنى التّوجّه إلى شيء آخر فعلى هذا يكون معنى الإبراء من الدّين هو صرف الدّين عن المديون وتفريقه عنه ويلزمه السّقوط وأمّا التّمليك فهو أجنبيّ عن معنى البراءة بالمرّة فلا وجه لاحتماله فافهم قوله وإنّ المعاطاة عنده بيع أقول قد يجاب عن ذلك بأنّ مراده تعريف البيع اللّازم وهو كما ترى ويمكن أن يجاب عنه بأنّ مراده من الصّيغة أعمّ من القوليّة والفعليّة وهذا ليس ببعيد غاية